عفيف حنا القس 2 آرا سوفاليان وظهرت الى حيز الوجود أغانٍ شعبية أخرى كثيرة سموها المراثي الوطنية وكانت كلها باللهجة الماردينية المحكية ومن نتاج عامة الشعب الذي عانى الفقر والحرمان والتشتت في ظل الإبادة و اكتوى بنار العنصرية الطورانية ونظرية البانتوركية التي تنادي بتفوق العنصر التركي وسموه على الأعراق الأخرى. وانتهت الحرب وتم اعتقال جماعة الاتحاد والترقي طلعت باشا و أنور باشا وجمال باشا السفاح وبهاء الدين شاكر... وتمت محاكمتهم محاكمة صورية وسجنوا جميعاً في جزيرة منعزلة ليصار إلى تهريبهم جميعاً خارج السجن ونقلهم في طراد بحري تولى إيصالهم إلى الشاطئ بأمان فهرب بعضهم إلى المناطق الشرقية الشمالية من السلطنة، وهرب الآخرون إلى أوروبا الشرقية ووصلوا إلى ألمانيا وتم تنفيذ حكم الإعدام بهم جميعاً من قبل الكتائب الثورية الأرمنية. في فترة ما بعد الحرب كان وضع المسيحيين الذين بقوا على قيد الحياة في السلطنة وضعاً مأساوياً ومذرياً ومذلاً... فلقد كانت الفتاة لا تجرؤ على الخروج من منزلها خوفاً من الاغتصاب أو الخطف أو كليهما في أقلّ تقدير ولجأ الكثيرين إلي تغيير دينهم وصاروا يعتمرون العمائم ويؤمون المساجد، وكانت بدايات الفترة الكمالية عندما تكالب الجميع على الأقليات وتم بيع الأرمن من قبل حلفائهم في أسواق النخاسة. فبعد أن غدرت بهم الأحزاب الكردية التي أعطتهم العهد والميثاق بالمساندة والدعم والتكافل لأنهم أخوة السلاح والرازحين تحت نير الظلم والظلام، وشت هذه الأحزاب الحليفة بهم وسلمت الدولة قوائم بأسماء الأرمن ومحاضر الاجتماعات السرية التي دارت بين الحليفين الأحزاب الأرمنية والكردية وأسماء من جمع المال ومن قدم التبرعات ومن اشترى السلاح ومن شرع بالكفاح المسلح. فنالوا الحظوة في أعين الحكومة التي وهبت أموال الأرمن وحياتهم للواشين. تكافلت فرنسا مع بريطانيا وروسيا، ولحقتهم ولكن بشكل متأخر الولايات المتحدة الأميركية، وتحالفوا جميعاً لبيع دماء الأرمن الذين قاتلوا بشجاعة إلى جانب الحلفاء بأبخس الأثمان، وضاعت تضحيات العرب أيضاً وتم تقسيم الوطن العربي وابتلاعه وتم تكريس التجزئة والأحقاد والطائفية والرجعية فتكوّن أرث وخيم تتناقله الأجيال دون أدنى إمكانية للإصلاح ومواكبة العالم المتقدم. وضاعت الوحدة العربية وتجزأ الوطن العربي إلى دول وممالك وإمارات ومشيخات وتم طعن آل هاشم في قلوبهم جميعاً بخناجر مسمومة وتم سرقة واقتسام مال العرب وذهبهم الأصفر الذي تمت مصادرته واستبداله بورق البنكنوت العفن الغير قابل للاستبدال وذهبهم الأسود الذي تم نهبه في مسلسل لا يزال قائماً حتى اليوم. ولأن الأخ الصغير يتعلق بأخته المجايلة له، فلقد نشأت علاقة محبة بين عفيف وأخته جميلة فكانت تحبه وتراعيه وتخاف عليه من نسمة الهواء، أما أخته الكبرى ريجو فلقد كانت متزوجة من ابن جبّورة وكانت علاقتها بعفيف عادية بحكم انشغالها بزوجها وأولادها، وبعد فترة وجيزة تمت خطوبة أخته الصغرى جميلة على شاب يدعى يوسف شاهو... وكانت فترة الخطبة قصيرة حيث تزوجت بسرعة وذهبت إلى دار الزوجية، فأثر ذلك على عفيف الذي بدأ يشعر بالوحدة، فلقد كان يحب أخته جميلة حباً لا يوصف ويأتي هذا الحب في المرتبة الثانية بعد حبه لوالدته التي كانت تعطف عليه ولا تسمح لأحد بأن يؤذيه أو أن يجرح شعوره بكلمة واحدة. أما المرتبة الثالثة فهي مخصصة لخاله شمعون الذي كان يحضر مساء كل يوم ويحضر لجميلة ولعفيف بعض الحلوى والراحة الحلقوم وكان يجلس معهم في باحة الدار ويمازحم ويضاحكم ويحكي لهم قصص من الكتاب المقدس، ومرت فترة طويلة والخال لا يأتي فذهب عفيف يسأل والدته التي قالت له: خالك شمعون ذهب الى الدير ليترهبن... فقال لها أي دير؟ فأجابت: دير الزعفران فقال لها: خذيني إليه قالت: هو يقضي مرحلة الزهد والتنسك وهي المرحلة التي تسبق الرسامة وسيرسم بعد ذلك كاهناً وسنذهب كلنا لحضور رسامته. وانتظر عفيف الرسامة وذهب الى دير الزعفران مع والده واخوته الذكور في عربة و النسوة في عربة أخرى، وكان الدير في أجمل حلة والناس ينتظرون بدء القداس والرسامة والكل يعرفون الراهب شمعون ويحبونه ويحبون آل الناشف. وجاء المطران وبدأ قداس الرسامة وتمت في نهايته الزلاغيط والتبريكات وتوزيع الحلوى على المتواجدين في الدير وجلس عفيف حنا القس في قاعة ضيوف الدير الى يمين خاله وكان سعيداً، وتم تعيين الراهب شمعون في نفس الدير مع العلم بأنه قد جرت العادة على فرز الكاهن المرسوم حديثاً ليذهب للخدمة في المناطق البعيدة، ولم يطبق هذا الإجراء بحق آل الناشف ولا بحق الراهب شمعون شقيق زوجة حنا القس، وانكب شمعون على الدرس وأعاد تنظيم مكتبة الدير وقرأ كل كتبها وكان عفيف يذهب الى الدير في كل فرصة سانحة لرؤية خاله شمعون الراهب، ولم تمضي سنة على مراسم الرسامة إلاَّ وتبين أن الراهب شمعون على علاقة غرامية مع مطلقة تدعى خاتون، وكانت في مرحلة الهجر وهي مرحلة عقاب قد تطول كثيراُ دون أن تكون بالضرورة مرحلة الطلاق هي المرحلة التالية للهجر. واستدعى المطران الراهب شمعون الى مكتبه وقال له: اعلم يا ابني أنني لم أقصر في تعهدك والعناية بك في المنحيين الروحي والإنساني ولم أجد منك إلاَّ العقوق فأنت لم تحترم كوني أباك الروحي ومتولي رسامتك ولم تحترم شيبتي ومكانتي الروحية، إن كنت تريد الزواج فأنا أستطيع أن أحلك من العهد الذي قطعته للكنيسة ويمكنك أن تتزوج وتصبح خوري وتبقى في هذه الرتبة دون أن تترفع، وما عليك إلاّ أن تختار أي فتاة تريد لأخطبها لك في الحال أما إصرارك على الارتباط بسيدة لديها قضية طلاق غير منتهية في الكنيسة وتخضع لحكم الهجرة ففي هذا منتهى التحدي للكنيسة التي عاهدت نفسك أمام الله بأن تكون مخلصاً لها... فماذا تقول في ذلك؟ لم يجرؤ شمعون على النظر في عينا المطران وظل يحدق في الأرض، ثم رفع رأسه فجأة وقال: اعلم يا سيدنا بأنني عاهدت خاتون على الوفاء ولن أقبل كل نساء الأرض بدلاً عنها. فانتفض المطران مذعوراً ووقف على قدميه ولم يكلف نفسه بأن ينظر الى شمعون ولم يعد يهتم بآل الناشف ولا باصهرتهم ولا بآل القس وغادر المكان وهو يتحدث بصوت منخفض فقال: اسمع يا شمعون اذهب الآن الى خزنجي الدير وسلم العهدة الكنسية التي في ذمتك وأخلع ثوبك الكهنوتي وأخرج من هنا. وفعل شمعون ما أُمر به وغادر الى دار أهله، وجُنَّتْ بهية الناشف وجن زوجها حنا القس ولم تنفع أي واسطة فلقد نفذ المثل الشعبي المارديني الذي يقول : فاس ووقع في الراص لا منو فكه ولا منو خلاص. وذهب حنا القس لمقابلة المطران وطلب منه أن ينتهي الموضوع عند هذا الحد ولكن المطران لم يجيب حنا القس الى طلبه، فلقد أصدر أمراً بضرورة حضور كل الناس كباراً وصغاراً وأطفالاً في المهد الى القداس في أقرب يوم أحد بعد الحادثة، وقطع القداس في منتصفه وأوقد ثلاثة شمعات هي شموع الراهب شمعون وتلى صلاة قصيرة أقدم بعدها على تحطيم هذه الشموع بين يديه وفعل مثل ذلك فيما يخص خاتون ولعنها ولعن شمعون وطردهما من الكنيسة السريانية اليعقوبية المقدسة، ودعى على كليهما بأن لا يريا الخلفة. وعلم عفيف بالأمر وبكى بكاءً مراً، خاصة وأنه سمع الناس يتهامسون بأن هناك بضع سيدات القين القمامة على رأس الراهب المذكور عندما كان يعبر في الطريق وتأكدت هذه القصة فحدثت الكارثة الأولى التي وقعت على رؤوس آل القس ونسبائهم آل الناشف، وقرر الراهب شمعون وإمعاناً في النكاية والمكايدة، قرر أخذ خاتون والهرب بها الى الشام، وعاش معها بالحرام واستجاب الله لدعاء المطران فلقد أمضى شمعون مع خاتون حياة بائسة شقية وبلا خلفة. وحُرم عفيف حنا القس من رؤية خاله وتم منع ترداد اسم الراهب شمعون في جنبات دار آل القس و دار آل الناشف على السواء. وبلغ عفيف الثانية عشر من العمر فحدث كارثة ثانية في عائلة القس ولكنها مروعة هذه المرة أدت الى قلب حياته رأساً على عقب. فبعد أن استتب الأمر لأتاتورك بدأت نبوءة كريكور زوهراب بالتحقق، فلقد استعملت تركيا الأكراد لذبح الأرمن فنفذوا هذه المهمة بإخلاص وتفاني ووهبتهم تركيا أرض الأرمن ومنازلهم ومالهم و أجزلت لهم العطاء ولكن من جيوب الضحايا وعندما أنهوا المهمة المنوطة بهم دارت الدوائر عليهم فتحولوا هم إلى أعداء وبدأ الأتراك باجتثاثهم واضطهادهم وحرق قراهم ومصادرة ما صادروه من الأرمن ولم تعد تقنعهم مسألة المقاسمة،و اخترعوا قانون أملاك الغائبين وبموجب هذا القانون صارت كل أراضي الأرمن ومدنهم وقراهم ومنازلهم ملك للحكومة. وكانت البدايات في ملاحقة رؤساء العشائر واسترداد إقطاعياتهم ومصادرة ما صادروه بحيث لا يبقى لهم إلاَّ الرايات الحريرية والأوسمة التي تم منحهم إياها فحدثت صدامات ومجابهات متوقعة وكان الحلّ يكمن في الاستفراد بالرؤوس الكبيرة وتصفيتها سواء رضي أصحابها بالتخلي عما سرقوه للصوص الجدد أو لم يرضوا. ويبدوا أن الحظ قد تخلى منذ اللحظة عن حنا القس... فلقد استقبل في داره واحد من زعماء العشائر الكردية وعائلته ويبدو أن الكردي كان مطارداً من الحكومة وحنا القس لا يعلم. وجرت العادة أن يتخلى حنا القس عن غرفته لضيوفه إذا كانوا من المقام الرفيع وبالتالي فلقد نزل الكردي وأهله في غرفة الآغا حنا القس، وأصطحب حنا القس زوجته ومضى بها إلى غرفة الضيوف. وجاء مسلحون اقتحموا البيت ليلاً من فوق الأسوار ودخلوا غرفة الضيوف وأطلقوا النار على رأس الرجل الوحيد النائم والمستلقي إلى جوار زوجته فمات حنا القس على الفور وصرخت زوجته فجاء الخدم بالسراج ورأوا الآغا غارقاً في دمائه ونظرت بهية الناشف باتجاه زوجها الذي ضاعت معالم وجهه بعد أن تم تفجير رأسه وصرخت صرخة هائلة و اندفعت بحركة جنونية صوب السطح تصرخ وتولول فوقعت من السطح إلى الزقاق وفارقت الحياة وتم فتح الأبواب وركض الجميع إلى خارج الدار وتم حمل جثة بهية الناشف لتمدد إلى جوار زوجها. وركع عفيف حنا القس على ركبتيه ورفع يديه إلى الباري تعالى يصلي وينتحب فلقد تيتم للمرة الثانية. وحدثت جنازة كبيرة تحدث عنها أهل ماردين في ماردين وخارجها حيث انتشر الخبر كالنار في الهشيم، وأغلب أهل ماردين قد نزحوا إلى جهات الحسكة والقامشلي ورأس العين ودير الزور والموصل وبعضهم ذهب إلى حلب وحمص فلقد كانت في حمص جالية كبيرة من السريان، وبعضهم وصل إلى دمشق. وفرغت منازل ماردين من نزلائها وأحتلها الكرد، والترك الوافدين من جنبات السلطنة بعد أن ضاعت مساحات شاسعة من أراضى السلطنة وبدأت حركة نزوح تركية مروعة نحو الداخل يقابلها حركة نزوح للأقليات المسيحية نحو الخارج لتكتمل حركة التفريغ القسرية بعد أن تمت إبادة الأرمن عن بكرة أبيهم. وكان هذا الإجراء هو المعمول به لاستيعاب الوافدين، وتأمين المنازل لهم والأرض والزرع والضرع والمال، فاستلبوا كل ما وجدوه أمام أعينهم والتهموا وبلا عناء جهود الآخرين وكدّهم وتعبهم وتضحياتهم وتضحيات أهاليهم عبر كل السنين فاغتنوا ليحولوا أصحاب الحق إلى شراذم من البؤساء يقبعون على الجانب الآخر من الحدود بلا أدنى أمل في العودة بعضهم يخبئ سندات الطابو الموشحة بالهلال ونجمة آل عثمان والبعض يخبئ مفاتيح الدار ويتكتم على الأماكن التي تم فيها تخبئة ذهب النساء في قاع التنور أو أقبية المؤنة أو تحت عتبات الغرف أو في اليوك أو في الجدران أو تحت بلاط الأقبية دون أن يعرفوا بأن القادمون الجدد نقبوا كل الأمكنة واستولوا على كل شيء. وتشاور الاخوة ورثة حنا القس وعقدوا الاجتماع تلو الآخر مع أصهرتهم مستبعدين عفيف أخوهم الأصغر وتقرر تنهيب كل الأراضي والغلال والماشية والعقارات وبيعها بأبخس الأثمان واقتسام المتحصلات واقتسام المصاغ الذهبي ومدخرات الوالد النقدية وهي بالعملة الذهبية، وتم التنازل عن كل ديون والدهم للمدينين مقابل بعض التسهيلات وأهمها مغادرة تركيا، وانفرد عزيز حنا القس بعفيف وقال له: اعلم يا أخي بأنني تمكنت من تهريب حصتي من أرث والديَّ إلى الولايات المتحدة الأميركية وبقي بين يديَّ بعض المال أستعين به على قضاء حاجياتي والتأهب للسفر، وقد قررت أن أصطحبك معي إلى اميركا حيث سنسافر بحراً بالبابور لنبدأ معاً حياة جديدة هناك ونتقاسم باسم الأخوة التي تجمعنا كل النجاحات وكل الصعاب، فكّر بما قلته لك واحزم أمرك لأن الوضع يسوء من يوم إلى يوم وأنا لا أرى أي بصيص من الأمل. وذهب عفيف ليسأل أخته جميلة التي نقلت الخبر إلى زوجها يوسف شاهو، فلمعت في رأس يوسف فكرة، صمم بعدها أن يفرق بين عفيف وعزيز ويفسد كل شيء فانتحى بعفيف وقال له: لم يهتم اخوتك بك قبل الآن ولم يسأل أحد عنك فكيف ظهر هذا الحب المفاجئ، لم يحبك أحد من اخوتك وحرموك من أرث والديك، ولم تجد العطف إلاَّ من أختك جميلة وهي تبكي الآن لأنك أزمعت على الرحيل مع عزيز... واعلم أن عزيز سيريك البابور ولكنه سيرميك في البحر في أول فرصة ليتخلص منك، أما أنا فلقد أزمعت على اللحاق بأهلي إلى الشام، وسأعمل في تجارة الحبوب وسآخذك معي لنعمل معاً كشركاء وسأريك القطار وهذا يسير على السكة بواسطة العجلات وهو ليس كالبابور الذي يمخر عباب البحر، والبحر خطر ويغرق فيه الناس، وأختك جميلة وافقت على ذلك فهي لا تستطيع مجرد التفكير بأنك ستذهب إلى أميركا فلا تعود إلى رؤيتك من جديد اللهم إذا تركك عزيز على قيد الحياة، ثم عليك بأن لا تنسى بأن خالك شمعون يعيش في الشام وأنا لست مضطراً بأن أنفذ أمر مقاطعته لأن أصحاب الأمر صاروا في ذمة الله ، فأنا يا عفيف سأريك خالك شمعون وسأبقيك قريباً من أختك جميلة، وعزيز سيميتك خنقاً بعد أن يرميك في البحر ففكر في الموضوع وأخبرني. وارتعد عفيف من الخوف وصدَّق الرواية، وصار يتوارى عندما يظهر عزيز في مواجهته، وعندما حشره عزيز وطلب منه أن يسمعه قراره، قال له وبدون تردد سأذهب مع أختي جميلة وزوجها إلى الشام. وتبعثرث أسرة حنا القس وذهب أفرادها كل في اتجاه وصدرت في تركيا قوانين جديدة تسمح بالهجرة واستفاد الجميع من هذه القوانين وخاصة ما بقي من الأقليات ومن الشباب بالتحديد والذين عملوا في السخرة لدى مستخدميهم مقابل إنقاذهم من الموت فكانت هذه القوانين فرصة سانحة للهرب والخلاص وبعضهم استفاد من هذه القوانين لتقصي أخبار أهله واللحاق بمن بقي منهم على قيد الحياة، وآخرون أجبرتهم ظروفهم على الدخول في الإسلام لإنقاذ أرواحهم، فوجدوها فرصة سانحة للعودة إلى الدين الذي ألفوه منذ المولد وبدون إكراه، فاختاروا بلاد جديدة لا يسألك فيها أحد عن دينك ولا عن مذهبك ولا عن ملّتك، وانصاعوا للشرط الوحيد الذي وضعته الحكومة وهو الإبقاء على مال تركيا في تركيا والخروج منها بما يستر البدن لا غير وكان ذلك. واجتاز عفيف حنا القس ويوسف شاهو صهره وجميلة أخته الصغرى، اجتازوا الحدود ودخلوا سوريا وكانت ترزح تحت الاحتلال الفرنسي، ورأوا في المنافذ الحدودية ضباطاً فرنسيين بملابس أنيقة يلقون التحية بابتسامات عريضة ويرفعون القبعات للنسوة بدماثة لم يألفها الوافدون لدى الضباط الأتراك الذين كانوا يأتون فيجلبون معهم كل الشقاء والرعب والأذية بمختلف أشكالها بدءاً من النهب مروراً بالاغتصاب و انتهاءً بالموت. وسأل يوسف شاهو عن أهله فعلم أنهم يمموا صوب درعا وحوران فذهب لملاقاتهم وعثر عليهم وعمل معهم في تجارة الحبوب وتجارة الماشية، وشاهد عفيف القطار وشاهد خاله شمعون فرآه في أسوأ حال فلقد كان يعيش منعزلاً لا يجرؤ على دخول كنيسة ملّته، ويعيش متنقلاً ما بين درعا والشام ويسافر للبنان للبحث عن أقربائه وكانت حياته كلها بؤس وشقاء فلقد كان يرى خلفته ولكن لمدة وجيزة يموت بعدها المولود ليترك والداه في غم ونكد، وقرر الراهب شمعون أن يعتزل الدنيا وما فيها ولكنه كان باراً بعفيف حتى اللحظة الأخيرة. عاش عفيف في كنف آل شاهو لبضع سنين وتبين لعفيف بأنه تحول من شريك إلى رقيق يعمل ليل نهار بلقمته وينام في الإسطبل مع الحيوانات ليحرسها ويعتني بها. وذهب عفيف مع المكارية لتسليم أكياس من القمح تم بيعها لإحدى القرى البعيدة وضاعت القافلة في الطريق ونفذ العلف ونفذت المؤونة وتشتت شمل القافلة بعيرها وبعيرها وأهلها وناسها وتغير الطقس وهطلت الثلوج وهرب الجميع لا يلوون على شيء وظل عفيف يحرس ما بقي من تجارة صهره ووضع بعض أكياس القمح وأختبئ تحتها والى جانبه دابة مريضة لم تتمكن من الهرب فنام مستنداً إلى ظهرها وهبط الليل وكانت ليلة ظلماء بغيوم سوداء أفترش فيها عفيف ندف الثلج وانخفضت درجات الحرارة ولم يعد يصل إلى أذنيه إلاَّ صوت الضواري. ونفقت الدابة التي كان يتدفأ بحرارة جسمها وتحولت هي الأخرى إلى لوح من الثلج، فركع عفيف على ركبتيه ورفع يديه باتجاه السماء وتلى صلاته المعتادة ووقع وغاب عن الوعي لفترة رأى فيها تلك المرأة الصاصونية والعصبة السوداء تلتف على رأسها وهي تنظر إليه وجلانة مشفقة ورأى شقيقه ذو الست سنوات يسير إلى الأمام مع السوقية إلى الموت المحتم ورأسه إلى الخلف لا يشبع من النظر في عيني أخيه وتشوشت الرؤية وارتفعت أصوات السوقية ثم خمدت وضاعت الأصوات وتلاشت، وتلاشت معها صورة أمه وشقيقه وردد بشفتين مطبقتين آخر عبارة تلاها يسوع المسيح على خشبة الصليب وهي (يا أبتاه بين يديك استودع روحي)... وأغمي عليه. وعاد ليرى تلك المرأة والعصبة السوداء تلتف حول رأسها وابتسامة عريضة كشفت عن أسنانها من الضاحك إلى الضاحك، ورائحة حطب يحترق، وقطع من فرو الخراف البيض وبطانيات ثقيلة سوداء تحيط بجسده الهزيل المنهك، ووجوه وعباءات تتحرك أمامه ورائحة القهوة المرة وحب الهال، فتح عيناه أكثر فرأى سحب الدخان تخرج من فتحة في أعلى الخيمة، ووضع أحدهم بعض العشب في الموقد فانبعثت رائحة طيبة منعشة. (يتبع..) |