AZG Daily #90, 19-05-2012

زائر

لم يتم الدخول

E-mail

Password


تسجيل
Restore password

ՕԳՆԵՆՔ ԵՐԵԽԱՅԻՆ`
ՓՐԿԵԼ ԸՆՏԱՆԻՔԸ

إعلان

Armenian Genocide

 RSS | WAP | FACEBOOK | PDF Հայերեն | Русский | English | Turkish | Arabic 
The Arabic version of “Azg” daily will not be published from January, 2012.
[0]

صحيفة "آزك" اليومية #49, 22-03-2011



ثقافة

تحديث 2011-03-22 00:00:17 (GMT +04:00)

عفيف حنا القس 4

آرا سوفاليان

وسافرت نجمة الخبازة إلى لبنان لوحدها وعادت بعد شهر إلى الشام وزارها عفيف وسألها عن أخبار آل حنا كعيب بغا، فقالت له: أنت تسأل عنهم يا عفيف لأنك فكرت بكلامي وعرفت أنه صحيح، وبالنسبة لي فلقد تحدثت مع فريدة ملّوح عنك، واقترحت عليها ما اقترحته عليك، ولا بد أنها نقلت ما دار بيننا إلى زوجها، ولمست موافقة مبدئية، وعلمت منها أن حنا كعيب قال لها ونعم الشاب ونعم العائلة... دعينا نراه فهو من رائحة الغوالي.

وأعلم أن مارين في الشام الآن وقد جاءت في زيارة قصيرة لبيت ابن عمتها سليم ساروخان وقد شاهدتها هناك، وقد حدثت سليم بموضوعك فأشار عليَّ أن تذهب أنت لمقابلة والد الفتاة.

وقرر عفيف أن يصحب نجمة في رحلة العودة إلى لبنان، ووصلوا في فترة الظهيرة، وقصدوا حياً شعبياً تعتبر حارة حنانيا قطعة من الفردوس إذا ما قورنت به، وكان قريباً من البور، واستقبلتهم فريدة ملّوح والمغزل في يدها فلقد كانت تغزل لابنتيها الغائبتين الصغيرة مع خطيبها والكبيرة في عملها في دارة نجيب بك مطران ورحبت فريدة بعفيف وأجلسته أمامها على كنبة مهترئة وبقماش ممزق ولكن نظيف وسألته عن أحواله وعن أسرته وما بقي منها... وكانت تسمع ثم تبكي.

وسمعت نحنحة ودخل رجل طويل القامة منحني الظهر أحمر الشعر، دخل أرض الديار فوقعت من يده كعكة من القماش كان يضعها على رأسه، فسارعت فريدة إلى التقاطها وشرعت بعدها بمساعدته في ركن صندوق من الخيرزان الرقيق المجدول فوضعته على منضدة قليلة الارتفاع وكان الصندوق مليء بالكعك وهو كعك النخالة المستدير المغطى بالسمسم حيث يعمد البائع إلى ثقب وجه الكعكة ويولج فيها بعض الزعتر قبل بيعها وكان لكعك النخالة هذا مسمى واحد وهو كعك بيروت. وجمد الدم في عروق عفيف حنا القس وجحظت عيناه عندما كان ينظر إلى حنا كعيب بغا بوغوص وهو يلتمس كرسياً ليجلس عليه بعد أن أنهكه التعب وهو يحاول بيع الكعك على الشاطئ ويبدوا أنه عاد بكامل البضاعة ولم يبع شيئاً، وتنهد عفيف حنا القس ونظر إلى السماء دون أن يرفع يديه وقال: أيها العزيز المقتدر ماذا فعلنا لك، وماذا فعلوا همْ حتى نالوا لديك الحظوة فمنحتهم بلادنا وأرضنا وبيوتنا وذهب نسائنا ومكنتهم من هتك أعراضنا وتلويث شرف بناتنا، ها نحن نعيش بعيداً عن بلدنا ونجترع الذل والمهانة، وأرضنا هناك ومنازلنا هناك وحقولنا وكروم العنب، (رضينا بالبين والبين ما رضي فينا)، ويسمونك العادل، اذهب وابحث عن عدلك لترى أين أضعته.

وانتفض جسد عفيف القس وازرق وجهه وجحظت عيناه أكثر من أي مرة سابقة، فلقد كفر وهو لم يعتد أن يفعل ذلك وصار يستسمح الله ويضرب على صدره وبكى وأبكى الحاضرين، فقال له حنا: اعلم يا ابني بأن الذي حدث هو امتحان منه تعالى فلقد أعمت قلوبنا الشهوات والمعصية والخطيئة ولا بد أن ندفع الثمن لأن خطيئتنا عظيمة، فأجابه عفيف: عن أي شهوات تتحدث يا عمّي وعن أي معاصي إلاَّ إذا كنت تقصد أن الركض خلف لقمة العيش شهوة و معصية، أنظر إلي من ظلمنا واستباح أرضنا ومالنا وبلدنا وعرضنا، إنه يرتع في خيراتنا والله يبارك له بها، ملعونة هذه الدنيا المبنية في أساسها على اللاعدل.

وحل المساء ولم يتوقف حديث الهجرة والسوقيات والمذابح... وجاءت مارين ووقفت بالباب ولم تتمكن من معرفة الضيف بسبب الأذية التي أصابت عينيها فبادرت الخبازة إلى التعريف وقالت: هذه ماري بنت حنا كعيب وهذا عفيف ابن حنا القس جاء خاطباً و أريد أن أسمع الجواب قبل أن أعود إلى منزلي.

وذهبت ماري لإعداد القهوة وبارك حنا كعيب لعفيف وقال له: ابن كريم لوالدين كريمين وعائلة كريمة... أرجو من الله أن يجعل أيامكم خير من هذه وأن يبدلها بأحسن أبارككم من كل قلبي.

وقدمت ماري القهوة لعفيف ونظرت في عينيه عن قرب وابتسمت له علامة الموافقة ودخلت المطبخ وتبعتها أمها التي رجعت بعد قليل وقالت: مبروك يا ابني وليوفقكم الله.

وتم الاتفاق على موعد الزفاف وحضر أهل مارين إلى دمشق، وأحتار عفيف في البحث عن عرّاب فلقد عمل المستحيل لإقناع خاله شمعون بأن يقف له كعرّاب إكليل ولكن الراهب شمعون رفض وكان السبب معروفاً وهو الطرد واللعنة وما تحقق بعدهما.

وذهب عفيف لمقابلة المطران وقال له اعلم يا سيدنا أنه في هذه الدنيا الفانية ليس لي قريب هنا غير الراهب شمعون وهو كما تعلمون محروم ومطرود من الكنيسة، وكلانا نتمنى أن يكون هو عراب الإكليل وأتوسم في قداستك أن تنظر إلى الموضوع بعين العفو والتسامح الذي جبلت عليه ديانتنا المسيحية.

أجابه المطران: اعلم يا بني بأنه لا صلاحية لي في إصدار عفو عن الراهب شمعون ولا يجرؤ أحد على فعل ذلك حيث لا يمكن تبديل قوانين الكنيسة، ولكني أعدك بأن أجد حل وسط.

فتمت تسوية تضمن حضور شمعون الراهب وقبوله كعراب بحيث يقف خارج الكنيسة ويحمل الصليب بيده ويدخله من الشباك ويتابع المراسم دون أن يطأ أرض الكنيسة بقدميه، وكان هذا الحلّ مقبولاً من قبل الراهب شمعون فتم

الزفاف واقتصر على من حضر من آل يوسف شاهو وآل الساروخان وبعض الأصدقاء وبعض المتواجدين عرضاً في الكنيسة وفي اليوم التالي ودع عفيف عمه حنا كعيب والسيدة فريدة ملّوح الذين عادا إلى لبنان.

وسارت الأمور عادية وكانت ماري تحب عفيف وتحرص على ماله وكان قد أوكل إليها بكل شيء وأحب الجيران مارين وكانت صاحبة نكته ففي جنازة لرجل دين سريان اورثوذوكس جلست ماري بين النساء لا تنبث ببنت شفة، فتحرشت بها سيدة في محاولة تكشف من خلالها للموجودين بأن ماري حنا كعيب هي سريان كاثوليك وليست سريان اورثوذوكس وقالت لها: مارين لماذا لا تبكين على خورينا فأجابتها مارين: لقد حاولت ولم استطع أن أبكي حيث لم يأتيني البكاء على خوريكم... ونهضت وغادرت المجلس.

وكانت مارين صاحبة صوت جميل وكان الجيران يدعونها إلى الأفراح والمناسبات فتغني أما عفيف فكان شخصاً متوازناً ورزيناً وصلباً يعمل في بناء الحجر ولا يضحك إلاَّ نادراً وكان معجباً بقصص الفروسية والتاريخ العربي القديم كقصص عنترة العبسي وعبلا والزير سالم والمهلهل، ولعله تأثر بما كان يعرض في قهوة النوفرة من قصص للزير سالم وعنتر وعبلا وكانت القصة الواحدة تأخذ شهراً أو أكثر وبعد افتتاح قهوة قصر البلور في باب توما صار يذهب لرؤية كاراكوز وعيواظ والمشخصاتية ودمى الظل من خلال الشاشة البيضاء التي ينعكس الظل عليها حيث كان يقصد القهوة مع أولاد العويشق وأولاد العوض وأولاد الفيصل إلى أن حدث خلاف ما بين أولاد العوض إبراهيم وجرجي وبين آل الفيصل، وساند آل العويشق آل العوض، وحدثت مشاجرة تم فيها إطلاق النار واستعمال السلاح الأبيض فمات اثنان من آل الفيصل ومات إبراهيم عوض في مشفى الفرنسي عندما استند إلى قائمة السرير ومزق القطب التي أخيط بها جرحه فنزف من جديد وكان النزف صاعقاً ومات في المشفى، وقيل أنه بتصرفه هذا استطاع المحامون تحميله وزر الحادثة لإنقاذ شقيقه من حبل المشنقة ... وكان ذلك... أما الخلاف فكان سخيفاً ولا يستحق قتل طير... لقد كان تنافس على زعامة إحدى الجمعيات في كنيسة الروم الأرثوذكس التي تدعى بالمريمية نسبة إلى والدة يسوع الإنسان مريم العذراء، وكان مقرها الرئيسي في شارع الأمين الذي كان يدعى شارع الخراب وسيق جرجي عوض إلى السجن، وأنفرط عقد الشلة، وعاد عفيف ليصادق أبناء حارته وأهمهم صديقه المقرب (بحدة باع صولو) أي عبد الأحد باع صولو وهو معلم عمار ومارديني الأصل، وتحول عفيف إلى التعهد فكان يستلم تعهدات صغيرة وصار يهتم بركنين لا ثالث لهما وهما شغله وبيته.

ورزق بأول أولاده وكانت ابنة أسماها جورجيت وكان شعرها أحمر، فلقد ورثت لون الشعر عن جدها لوالدتها حنا كعيب.

وسافر مع مارين لزيارة عمه حنا كعيب وزوجة عمه فريدة الملوح، وعاد مهموماً حزيناً لأن زواجه من مارين حرم العائلة من نصف دخلها فلقد كان راتب مارين الذي كانت تأخذه لقاء عملها لدى آل مطران يساعد العائلة المنكوبة في تأمين بعض احتياجاتها ولقد ساهم هو بقطع هذا الوارد عندما أخذ الفتاة من أهلها، وعاد من زيارته وهو في أسوأ حال.

ومضت بضعة أشهر اضطر بعدها إلى العودة إلى بيروت، فلقد وصله نبأ وفاة عمه فذهب مع زوجته الحامل وابنته جورجيت لدفن عمه المقطوع من شجرة ووضع على نعش عمه حفنة من التراب بعد أن تلى صلاته وقال له: الآن ارتحت أيها الرجل الكبير لعل الله يعوضك عن كل الألم الذي لاقيته، ويجازي القتلة الذين استحلوا دمك وشردوك من وطنك وسرقوا دارك و أرضك وحلالك وكل أموالك وذهب أهل بيتك وفضتهم وطردوك وأوصلوك إلى النهاية التي وصلت إليها... ولأن السفر مرهقاً وتكاليفه كبيرة وكان يتم بواسطة باصات بدائية يسمونها البوسطة وهي من صنع فرنسي جلب بعضها من قبل الجيش الفرنسي في أوائل الانتداب، على سوريا ولبنان، بقي عفيف مع عائلته في لبنان لحضور قداس الأسبوع، فأحست ماري بالمخاض وولدت الابنة الثانية وأطلق عليها عفيف اسم جانيت وهو اسم والدة السيدة العذراء( حنينه بالعربية).

وبعد الأسبوع طلب عفيف من والدة مارين أن تصحب عائلته إلى الشام، فلقد تيتمت السيدة فريدة ملّوح وبقيت بلا معين... وقد أنقذها هذا العرض من التسول فلقد كانت لا تمتلك قرش واحد وليس لها أي معيل وأي معين غير الله تعالى.

وكانت لا تفارقها صورة زوجها حنا كعيب الذي أصر على النزول إلى العمل في ذلك اليوم الذي اختاره فيه الله، وكانت جبهته حارة وساخنة وكان يهذي بسبب الحمى فلقد وضع بشكيراً مبللاً بالماء فوق رأسه ووضع فوقه الكعكة القماش وحمل صندوق الخيزران المليء بالكعك وذهب ليبحث عن رزقه على الشاطئ، وجاء بعض الصبية يخبرون فريدة الملّوح بالخبر... فذهبت ونوبة الربو تكاد أن تودي بها... ذهبت لترى زوجها وقد وقع عن الكرسي الذي يجلس عليه وذقنه غائرة إلى منتصفها في الرمل وعيناه مغمضتان كرهاً بهذه الدنيا وهذه الحياة التي لم يرى منها إلاَّ عوراتها... أما البشكير المبلل الذي كان يضعه على رأسه لتخيف الحمى فلقد كان جافاً كالحطب... وقد تبرع عابر سبيل بأن يغطي به وجه صاحبه المتوفى.

وجاء بعض الشباب وحملوا حنا كعيب إلى داره وتطوع أحدهم بالسفر إلى الشام لإبلاغ ابنته وزوجها بالخبر.

وفي الشام تحسنت أحوال عفيف قليلاً، ويبدوا أن العزيز القدير كافأه لحسن رعايته لوالدة زوجته السيدة فريدة ملّوح، فلقد أعاد لها بعض الحنان والاحترام والتقدير والإنسانية التي فقدتهما بسبب ظروف زوجها في لبنان، وكانت سفرة لبنان قد أثرت بعفيف أشد التأثير لأنه قابل هناك بعض أبناء عمومته وسائه أنهم اختاروا تغيير نسبتهم من القس إلى الخوري ثم تبديل مذهبهم من السريان الأرثوذكس إلى البروستان أي البروتيستانت.

كانت فريدة الملّوح هي سيدة البيت ولا يجرؤ أحد على إهانتها أو مجرد النظر إليها نظرة مائلة وكانت تمارس شعائرها الدينية في كنيسة السريان الكاثوليك احتراماً لذكرى زوجها، ولأن دوام الحال من المحال فلقد عاد القدر ليقلب ظهر المجنْ لهذه العائلة... فلقد اشتعلت الحرب العالمية الثانية وارتفعت الأسعار وغلت الأقوات وعاد عفيف للبحث عن العمل مع كتائب العاطلين عن العمل الذين كانوا يفترشون الطريق في منطقة برج الروس لعلهم يعثرون على طالب فعالة، ونسي عفيف أنه معلم عمار ويعمل في رصف الأحجار، ونزل بمستواه إلى مرتبة فاعل لكي لا ينفر المتعهدون منه ... فلقد كانوا يريدون عامل فعالة رخيص الأجر ما أمكن ويعمل بنصف أجر ويعمل النصف الثاني من العمل بالسخرة.

وعض الجوع عائلة عفيف وملَّ من افتراش الرصيف انتظاراً لمتعهد لا يأتي... فسمع أن هناك يهودياً يؤمن عملاً للناس الذين هم في مثل وضعه، عن طريق السفر إلى بلاد العجم للعمل في شق الطرقات ومد السكك الحديدية لزوم المشاريع الحربية للحلفاء، واشترط اليهودي أن يقبض ليرة من الذهب عن كل رأس مقابل قيد اسمه وترشيحه للسفر.

وكان لا بد من تأمين ليرة الذهب فذهبت مارين إلى مرابي يدعى عبدو الباشورة فلقد كان يعمل في الربا... فرهنت عنده محبسها ومحبس زوجها وسجادتها اليتيمة مقابل الليرة الذهب وحررت على نفسها سند وعادت والليرة الذهب في جزدانها وسافر عفيف في اليوم التالي إلى العجم... ومضت شهور ولا خبر ولا مرسال، إلى أن وصلت رسالة من بغداد ركضت بها مارين إلى عبدو الباشورة باعتباره المتعلم الوحيد في الحارة... ووضعت الرسالة بين يديه... فجلس خلف الطاولة ووضع نظارة القراءة على عينيه وصار يقرب الورقة ويبعدها ويخلع النظارة ويلبسها ويتنحنح ثم يبدل النظارة بعدسة مفردة ويرمي الرسالة على الطاولة فتسأله مارين وقد صعدت روحها إلى مستوى أنفها... أش كتبوا ؟ فيجيبها... كما كتبوا...ولم تدرك ولطيب معدنها أن الرجل تافه أو جاهل لا يعرف القراءة والكتابة وهو لا يريد أن ينكشف أمره، ويتلذذ التافه بتعذيبها رغم القرابة المزدوجة القرابة العائلية وقرابة الميرون، فتغادر منزله باكية وهي تشكوا أمرها لله تعالى إلى أن علمت أن هناك راهبة في دير العازرية تقرأ للناس رسائلهم، وطارت من الفرح عندما عرفت أن لوالدتها أقرباء في بغداد عقدوا العزم على السفر إلى الشام للم شمل العائلة وعرفت أيضاً أن لأمها فريدة شقيق يعيش في دير الزور ولديه ولدان الأول ويدعى الياس والثاني ويدعى افرام وقد علمت أنهما ميسورا الحال وقد عرضوا المساعدة والتكفل بنفقات إعالة السيدة فريدة ملّوح.

إذاً فإن الرسالة وعلى الرغم من أنها كانت تحمل أخباراً طيبة، لم تكن من بلاد العجم... وصارت مارين تسأل نفسها ماذا حدث لعفيف وأين عفيف وبدأ القلق يقضّ مضجعها... وأحست بخوف عظيم... ووصلت رسالة أخرى وهذه المرة من أختها من حلب... ولم يصل أي شيء من عفيف... وعلمت أن هناك واحدٌ من العائدين أرسل أهله في طلبه وتجشموا المال والعناء والتكاليف وجاء الرجل على محفة وفضح القصة البديهية وهي أن أي عمل في الدنيا لا يمكن أن يكون إلاَّ محفوفاً بكل أنواع القذارة إذا كان صاحبه أو الوسيط إليه يهودي... فلقد وصل العمال إلى بلاد العجم فتبين أن الجيش الإنكليزي هو المعني باستخدامهم ولكن ليس كعمال بأجر وإنما ككتائب سخرة.

لا رواتب ولا طبابة ولا دواء... وشح في الطعام واللباس... ومعاملة قاسية، إلى أن فتك بمعظمهم التيفوس والملاريا.

وجمعت ماري حنا كعيب النسوة وذهبت لمقابلة بطريرك السريان، الذي لم يهتم لشكواها فما كان منها إلاَّ مداهمة الكنيسة مع النسوة في منتصف قداس يوم الأحد وعلى الصياح والنحيب والبكاء في الكنيسة فاستنجد البطريرك بالسلطات وأحس بأن الأمر جديّ وذهب لمقابلة المفوض السامي واستطاع إعادة من بقي على قيد الحياة من العمال إلى ديارهم... وتركت جثث المتوفين في المكان الذي توفوا فيه، وكان عفيف حنا القس من بين العائدين، وكتبت له حياة جديدة.

وظل طريح الفراش لمدة ثلاثة أشهر وكانت تجلب له الدواء من مشفى القديس لويس في القصاع تارة ومن مشفى الإنكليزي تارة أخرى، وتماثل عفيف للشفاء وعاد ليجلس مع طابور العمالة في برج الروس، وفي تلك الأثناء وبعد اسقاطات عفوية ولدت مارين بصبي ذكر وأطلقت عليه اسم إبراهيم ونذرت أن تبقي شعره طويلاً حتى يصل إلى السابعة من العمر وكان إبراهيم جميلاً وذهبي الشعر، وعاش مدللاً وأحبته أمه كثيراً وجدته فريدة أكثر وأخته جانيت أكثر من الجميع وبشكل لا يوصف وكأن التاريخ يعيد نفسه... عفيف وجميلة... وإبراهيم وجانيت... مع فرق واضح وهو أن عفيف كان باراً بجميلة أكثر بكثير.

في سني الحرب العالمية الثانية ذاق عفيف حنا القس وعائلته كل صنوف الذل والهوان، فالغلاء الفاحش في مقابلة ندرة العمل، وعفيف وعائلته لا يملكون ثمن الطعام ولا أجرة البيت وعضّهم الجوع بأنيابه، فعملت مارين في شغل السنارة فكانت وبمساعدة أمها تشتغل أغطية طاولات بالسنارة وتبيع منتوجها في حارة حنانيا للسواح، أما عفيف فكان يذهب للعمل في أماكن بعيدة وبأجور بخسة، فكان يستيقظ في الرابعة صباحاً ويذهب للالتحاق بعمله سيراً على الأقدام ليصل في السابعة يتأبط زوادة فيها خبز وزيتون ورأس بندورة ورأس بصل، وورقة داخلية نظيفة مصرورة تم نزعها من كيس إسمنت ضمت في داخلها القليل من الملح.

وفي خبط جنون وكرد فعل لضربات المقاومة قصف الفرنسيون دمشق، وتغيّب عفيف عن داره ثلاثة أيام بلياليهم، فلقد تهدمت البناية التي كان يعمل فيها وعلق هو ومن كان معه في الأقبية، حتى استطاع الناس إنقاذهم من تحت الردم، ومات الكثيرون من جراء القصف، ومات بعض أصدقاءه اختناقاً أما هو فلقد كتبت له حياة جديدة.

في مدرسة راهبات العازرية (نسبة الى إليعازار وهو من وقعت عليه المعجزة المتعلقة بقيامة الموتى، فلقد أقامه السيد المسيح من بين الأموات وأفرح قلب أمه) تم استقبال ابنة عفيف الكبرى جورجيت ولحقتها أختها جانيت وكانت مسيرة علم قصيرة لا تتعدى الفترة الموصلة الى بداية المرحلة الإعدادية ومع ذلك فلقد كانت طريقة التدريس والتعليم في أحسن صورة وكانت مرحلة ذهبية مرت ولن تتكرر.

بضع سنين كانت كافية لتتحدث جانيت عفيف القس الفرنسية بطلاقة، وباللهجة الباريسية بفضل الراهبات الفرنسيات، وبمهارة في فنون القواعد والإعراب مكنتها من مساعدة ابنتها في الامتحانات الأخيرة لنيل شهادة الليسانس في الأدب الفرنسي، ولا زالت حتى اليوم تتحدث الفرنسية بتمكن يدهش بعض الأطباء الذين تابعوا تحصيلهم العالي في فرنسا، وقد استطاعت دخول كافة المطارات في أرجاء العالم والصعود الى الطائرات والذهاب الى الفنادق حيث التوقفات أثناء تبديل الرحلات دون أن يساعدها أحد في أي شيء على الإطلاق لا بل كانت ترشد من كان معها على نفس الطائرة وتقودهم حتى في مطار شارل دوغول في فرنسا وهو مطار يضيع فيه المرشدين، وتتحدث مع الاستعلامات في حال فقد الأمتعة لها أو لغيرها وصارت تجيد الفرنسية بلهجة أهل كويبك الكنديين، خصوصاً بعد أن قطعت الأطلنطي والمتوسط عشرات المرات في رحلة العودة الى الوطن والشوق لأبنائها وأحفادها ثم العودة الى كندا حيث يعيش شقيقيَّ وزوجاتهم وأولادهم، فلقد تبعثرت العائلة التي تهوى الاغتراب من جديد وكان على جانيت خوري التشتت بين البلدان والمطارات الأصيلة والوسيطة.

ولا يمكن القول أن القوة في اللغة الفرنسية جاءت على حساب اللغة العربية بل على العكس، فلقد تم ترشيح الوالدة ومن قبل راهبة اللغة العربية لتتولى التدريس في نفس المدرسة وقد باشرت مهمة التدريس ونجحت فيها نجاحاً باهراً على الرغم من صغر سنها.

وانتقلت أسرة عفيف حنا القس الى حارة اليهود، وتقع هذه الحارة في نهاية طريق باب توما المفضي الى منطقة القشلة، والقشلة كانت ثكنة عسكرية عثمانية تحولت الى حديقة ثم الى ملجأ وضاعت معالمها، وتعتبر بيوت اليهود تحف معمارية مبنية على الطراز الدمشقي العريق فيها الليوان والمجالس والفسقية والمندلونات والفرنجة والمشراقة والغرف الشتوية والغرف الصيفية وعرائش الياسمين والكباد وشجر الليمون والبرتقال والمدادة، وأحواض الأضاليا، ووريدات الفل الأبيض، التي تسقى بطحل القهوة العربية فتنتعش ويطيب شذاها.

وكان في مدرسة العازرية بنات يهوديات وحدثت صداقة بينهن وبين ابنتي عفيف القس وأحبت جانيت البيت الجديد مع أنه لم يختلف عليها أي شيء فلقد ظلت تدرس على ضوء الكاز وهي تبتبت، وتسمع اعتراضات والدها الذي كان يطلب منها على الدوام أن تدرس في قلبها... وكانت تنهي دروسها وتقبل والديها و جدتها فريدة ملّوح التي كانت تشفع لها أمام والدها، وكانت تساعدها على كيّ ملابسها وترتيب ثياب المدرسة، وكان كيّ الملابس وخاصة مريول المدرسة يتم بلا مكواة، حيث يوضَّب المريول ويطوى باعتناء ويتم تمسيده جيداً ويوضع تحت المخدة، وكان مغزل فريدة ملّوح وسنانير صوفها وابر خياطتها وكشتبانها كفيلان بعمل كل شيء.

وفي الصباح وعلى خيوط الفجر الأولى كانت الطفلة جانيت تجلس في الشباك تراجع دروسها قبل الذهاب الى المدرسة وعلى يمينها مدرسة الأليانس الجميلة، أما والدها فكان يجلس على المشراقة وامامه زوجته و أحواض الفل والقهوة العربية المتخمة بحب الهال وعلبة التتن المعدنية ومنفضة سجائر نحاسية صفراء هي واحدة من مثيلاتها الستة، مصنوعة بطريقة الصهر والسكب ومكتوب على أحدها من جد وجد، وعلى الثانية من سار على الدرب وصل، والثالثة من طلب العلى سهر الليالي.

وكانت الأمور بألف خير الى أن حدثت حادثة فيها مشقة وخاصة للأم مارين وسببت جفاء مع القاطنين في الحارة، فلقد انكسرت الجرّة وصار من الصعب إعادتها الى الوضع الذي كانت عليه، ولأن الجار قبل الدار فإن هذه الجيرة تحولت الى عبئ خاصة وأن الأمور قد تكشفت بالكامل، وحدث شجار وتلاسن وتهديد ولم يعد بالإمكان لملمة ما حدث من تبادل الإهانات والاتهامات... فلقد ذهبت الطفلة جانيت الى البقالة لشراء حاجة لأمها ولم تعد... وتأخر الوقت وجنت الأم واجتهدت في البحث عن ابنتها ومعها الجيران من ماردللية ويهود بلا فائدة، فذهبت مارين الى مكتب الحاخامية وتناولت الحاخام ومن كان معه في المكتب بالتهم والتهديد والشكوى للحكومة إن لم تعد الطفلة قبل عودة أبيها من العمل، وذكّرتْ مارين الحاخام ومن معه بقصة فطير صهيون، وهي عادة يتم فيها خطف ثم ذبح مسيحي ويوضع إناء فارغ تحت رقبته لجمع القليل من دمائه لتمزج مع عجنة فطير صهيون، وهو رمز للتذكير بمعاجن الخبز التي حملتها النساء العبريات والخبز فيها لم يختمر، عندما أوعز موسى بأمر الهروب الكبير من مصر وباتجاه سيناء هرباً من فرعون، ولم تكن المسيحية معروفة وقتذاك، ويبدو أن هذه الإضافة مستحدثة وبأمر من المحافل ورؤسائها أصحاب الرأي المنحرف، وكان لهذه القصة ما يؤيدها وهو قبر الكاهن اللاتيني الموجود في كنيسة اللاتين في باب توما، وقد استقدمه بعض اليهود لعلاج مريض وكان الكاهن طبيباً بارعاً وباراً بالفقراء وصاحب مبدأ ولا يفرق بين المرضى في العائدية لمذهبه أو دينه، فتم قتله وتم أخذ شيء من دمه لإضافته الى الفطير الذي سبق ذكره، والقصة هذه معروفة ومشهورة لدى أهل باب توما وما جاورها.

وأخذت مارين في التهديد والوعيد بالانتقام إن حدث للصغيرة أي مكروه، وكان الحاخام ومن معه وكل أهل الحيَّ يحاولون ثني مارين عن إبلاغ الحكومة ولكن مارين كانت تصرخ وتهدد وتبكي وتولول... الى أن حدث شيء غير متوقع، لقد عادت الصغيرة وأعتقد الجميع أن قوة شكيمة أمها وتهديدها للرجال والوقوف في وجههم أنقذ الصغيرة من موت محقق، ولكن الحقيقة هي غير ذلك، فماذا حدث ولماذا اختفت الصغيرة هذه المدة الطويلة الكافية لإزهاق روح أمها... أما الذي حدث فهو ما يلي:

كان يوم سبت، حيث لا يجوز ووفقاً للشريعة الموسوية، الإتيان بأي عمل، وخاصة إشعال موقد أو حتى شمعة أو مصباح كاز، وكانت هناك سيدة عجوز يقال لها أم نسيم، أرادت إيقاد الموقد لتسخين الطعام، ففتحت باب دارها تنتظر أحد المارة لتسخيره في إيقاد الموقد، وتصادف أن جانيت الصغيرة كانت في مواجهتها وهي تعرفها، فنادتها أم نسيم قائلة: أنتِ أنتِ أيتها النصرانية تعالي الى هنا، أدخلي أريد أن تقضي لي حاجة، أنزلي معي الى القبو لتوقدي لي الموقد.

ونزلت جانيت مع العجوز الى القبو حيث المطبخ والموقد، وذهبت أم نسيم للبحث عن كبريت، فخافت جانيت خوفاً عظيماً فهربت واختبأت في غرفة الحطب وعادت العجوز ولكنها لم تعثر على الصغيرة فظنت أنها هربت من المنزل، فصارت تصدر أصوات وحشرجات وتتحدث مع نفسها وتشتم، وكانت الصغيرة ترى العجوز من خلف الحطب والخوف قد أخذ من قلبها كل مأخذ وهي تخاف أن تصدر أي صوت لكي لا ينكشف أمرها فتعثر العجوز عليها ولا تجرؤ على الخروج من الباب الوحيد الموجود في أعلى الدرج فركعت على الأرض وأخذت بترديد كل ما تعرفه من الصلوات بالعربية والفرنسية وتبتهل الى الله تعالى بأن يخلصها مما هي فيه... بينما كانت الحارة وأهلها في هرج ومرج، ويبدو أن العجوز أم نسيم ذهبت لتنام نوم الظهيرة، دون أن يدر في خلدها أن النصرانية تختبئ في غرفة الحطب، وجاء أهل البيت في المغرب ونزلوا الى القبو وسمعوا صوت نحيب الطفلة فتولوا تسليمها الى أمها.

وتركت هذه الحادثة عفيف وزوجته في همّ وغمّ فلقد انكسر حاجز الاحترام وأتخذ كل طرف من الطرف المقابل كل الحيطة والحذر فضاعت مقومات الجيرة الحسنة.

ولم يبقى لهم إلاّ جيرة بعض الماردلليين ومنهم المرابي عبدو باشورة وعائلته الذي اختار الانتقال الى حارة اليهود مع بيت عفيف حنا القس فالمرابي يحتاج إلى تبديل موقع سكنه دوماً للهرب من وجه أصحاب الحقوق، وقد خص نفسه بمنزل صغير ووضع في إحدى غرفه المرهونات وأهمها مكعب من السجاد يرتفع من الأرض الى السقف ويحوي في طياته سجادة مارين حنا كعيب التي ذهبت وبلا عودة بعد أن رهنت مع محبسها ومحبس زوجها مقابل ليرة ذهبية دفعت للسمسار اليهودي، الذي كاد يزهق روح عفيف حنا القس في بلاد العجم.

وكانت جانيت تلعب مع أولاد عبدو الباشورة ويدخلون جميعاً الى غرفة السجاد يصعدون الى الأعلى وينزلون الى الأسفل في حفلة تزلج غريبة من نوعها، الى أن حدث ما لا يخطر على البال فلقد تشاجر عبدو الباشورة مع زوجته إثر عارض قديم عاد ليقرع مخيلة صاحبه بصورة أشد بألف مرة مما سبق، فلقد كان عبدو الباشورة بخيلاً مقتراً،ولكنه كان ينفق على زوجته وأولاده، الى أن طرق العارض مخيلته بشكل أشد عنفاً، فتوقف عن الإنفاق على عائلته وتشاجر مع زوجته وعلى صياحهما ووصل الى باب توما، فما كان على مارين إلاَّ أن تتقاسم الطعام مع زوجة عبدو الباشورة وتعزم أولاده ليجلسوا على نفس الطاولة مع أولادها، فلقد كانت هناك قرابة من نوع ما بالإضافة لقرابة الميرون والعماد، وعشرة تمتد الى سنين طويلة سابقة.

وكانت الشام تغلي بالثورات ضد المستعمر الفرنسي، وكانت حكومة الانتداب تحاول جاهدة الإبقاء على هيبتها للحؤول دون الانهيار الشامل وكان عفيف يمضي وقتاً طويلاً أمام أفران الخبز للحصول على مخصصات العائلة من الخبز ومواد الإعاشة الأخرى وجرب بنفسه، الوقوف في طابور الدور ولكنة الاحتقار والتفكه والتعمد في قراءة كنيته بصورة محرّفة بقصد الإضحاك، وكان الذي يؤلمه أن الفاعلين هم من العرب المجندين في الجيش الفرنسي وليس الفرنسيين، فقرر قطع أي صلة بنسبته القديمة القس عن طريق رفع دعوى روتينية على أمين السجل المدني، واستبدلها بنسبة جديدة هي الخوري على غرار ما فعل أبناء عمومته في لبنان، مع الإبقاء على مذهبه السريان الأرثوذكس دون أي تبديل.

واستقلت سوريا بجهود أبنائها وتضحيات ثوارها، وساهم فارس بك الخوري في ذلك وكان رئيس وزراء، عندما اصطحب مصوره الشخصي وأخذ صوراً للبرلمان وللشهداء من حامية البرلمان، وصوراً لدمشق بعد القصف، وللحرائق التي نجمت عن القصف، وذهب الى واشنطن، وعرفت حكومة الانتداب بسفره ولم تثنيه عن عزمه لأنها لا تملك أن تفعل ذلك، مع أنها كانت تعرف أنه في صف وطنه وليس في صفها، وكان ذاهباً ليبرهن على ذلك دون أن يلتفت الى الوراء ودون أن يهتم بما قيل أو سيقال.

وذهب مباشرة وجلس على كرسي مندوب فرنسا في عصبة الأمم، وجاء صاحب الكرسي وطلب من فارس بك التخلي عن الكرسي لصاحبه الأساسي فرفض فارس بك وحدثت جلبة فتدخل رئيس الجلسة وهو وقتذاك روزفيلت رئيس الولايات المتحدة وطلب أن يعرف سبب هذه الجلبة، فاستأذنه فارس بك الخوري وقال له: سيدي الرئيس أخذت كرسيه لبضع دقائق فبدر منه ما بدر، وهو وزبانيته يحتلون بلدي منذ سنين طويلة ويذيقون أهلها الذل والهوان ولا يحاسبهم أحد.

سأله روزفيلت عن البرهان، ومرت لحظات وصار المستعرض يعرض الصور السوداء والبيضاء على الشاشة وفارس بك الخوري يتولى الشرح والتعليق بالفرنسية والإنكليزية، وتوقف المستعرض على صورة البرلمان والضحايا وبرك الدماء فتوقف فارس بك الخوري وأردف قائلاً:

هذا يا سيدي الرئيس ليس كنيسة ولا مسجد ولا مدرسة ولا متحف... هذا هو مبنى البرلمان في بلدي، وهذه قبته والقتلى في الصورة هم حاميته... لقد أرسلتم هؤلاء الرعاع يا سيدي ليساعدونا ويرشدونا ويسيرون بنا على طريق الرقي والتحضر، ووقّعتم قرار الانتداب باسمكم وباسم شعبكم... فترى هل تقبلون يا سيدي الرئيس ويقبل شعبكم بهذه الأعمال البربرية، وبالأحرى فهل شعبكم على علم بها ويوافق عليها.

وفي جلسة مغلقة تم التوقيع على قرار إلغاء الانتداب الفرنسي على سوريا بعد أن أحرج فارس بك الخوري كل المتواجدين في عصبة الأمم وعلى رأسهم رئيس الولايات المتحدة الأميركية، ومرغ أنف مندوب فرنسا في كومة من البصل العفن، وعاد فارس بك الخوري إلى بلده ولم يتعرض له أحد.

أما عفيف الخوري فلقد خرج مع الناس الى الشوارع ورقص وهتف وغنى وعاد الى بيته، ثم خرج في اليوم الثاني وانتظم في العراضات وشاهد أولاد الأبركسيا في القصاع وهم يلعبون بالسيف والترس، فسار معهم وهتف وأنشد وغنى وفرح وبكى وعاد الى داره وقد اختفى صوته.

لم يحب السياسة ولا السياسيين ولا السياسة أحبته، وعاد للاشتغال في التعهدات الصغيرة وعلى حسابه الخاص وتحول الى التعهد بعد أن كان يعمل بالفعالة واشتهر كونه يستطيع البناء وصف الحجارة بطريقة فنية وصار يجلس في بيته ليبحث عنه أصحاب الشغل ويقصدونه.

تقدم شاب من أصل أرمني لخطبة ابنته الكبرى واسمه جورج توماس بولويان فوافق عفيف على الفور ورزق جورج بالولد الأول فصار عفيف جدا، وتقدم شاب ثانٍ لخطبة الابنة الأصغر جانيت واسمه وارتان آرا سوفاليان فوافق عفيف على الفور أيضاً وقال لزوجته... لن أعطي بناتي إلاَّ لشباب أرمن... فسألته وماذا بالنسبة لابنك إبراهيم فأجاب وبدون تردد... لن تكون عروسه إلاَّ فتاة أرمنية... وقد تم له ذلك.

وتحولت عائلة عفيف الخوري الى السوية الثالثة( أب أولاد أحفاد) فلقد حوت الأحفاد بعد الأولاد وتحول عفيف الى جدّ وتحولت ماري الى جدّة، أما فريدة ملّوح والدة الجدّة فلقد بقيت جدة بالنسبة لأحفادها جورجيت وجانيت وإبراهيم، ووالدة الجدة بالنسبة لأحفاد عفيف وحافظت وبفضل من الله على سويتها ومقدرتها الذهنية وحكمتها ورجاحة عقلها على الرغم من أنها وصلت الى حدود الثمانينيات من العمر.

ولعل كل أطفال العالم يجيبون إجابة واحدة على هذا السؤال وهو: ما أجمل بيت شهدته في عمرك... فيكون الجواب عفوياً وهو بيت جدتي.

وكان جدي عفيف يحبني ويصحبني معه الى كنيسة السريان الأرثوذكس في باب توما فأحضر معه القداس باللغة السريانية وكان مؤتمناً على سلة الفقراء يجمعها في نهاية القداس، وعلمني بضعة كلمات سريانية أهمها آلوهو ومعناها الله جل جلاله، ومشيحو ومعناها السيد المسيح حيث أن حرف السين يقلب الى شين في اللغة السريانية أو السوريانية بعبارة أدق، وكان قد أتم بناء الواجهة على نفقته الخاصة حيث يقبع تمثال مار جرجس الخضر وهو يمتطي جواده والرمح في يده يقتل به التنين الذي كان يحاول التهام فتاة عذراء جاءت لتملئ جرة الماء من النبع، ولا زالت الواجهة في كامل بهائها حتى اليوم وأذكره في كل مرة أمرّ من أمامها، مثلها مثل درج دير سيدة صيدنايا الذي أشرف على تصميمه وتنفيذه.

وذهبت معه مرة لحضور قداس جناز المسيح في كنيسته كنيسة السريان الأرثوذكس، وفي نهاية القداس تتم مزايدة لحمل النعش الرمزي المليء بالورود فتفرز أربعة أسماء يتولى أصحابها حمل زاوية من زوايا النعش الأربعة وتتم مزايدة أخرى لتحديد من يتقدم النعش ومن يحمل الصليب وحملة الصور المقدسة وحملة الأشرطة البيضاء ويسير الركب والبطرك والمطران والكهنة من خلف النعش ويُصمد النعش بعد أن يدور حول الكنيسة يُصمد قبالة الهيكل ويتبرع الناس للجمعيات الخيرية التي تتولى الإنفاق على الأرامل والمرضى من الفقراء والمحتاجين... ويعود عفيف إلى البيت ويقص ما حدث في الكنيسة على أهل بيته فيقول أن فلان تبرع بمبلغ كذا وفلان حظي بشرف حمل ميمنة النعش وفلان حظي بشرف حمل الصليب، وكان يعرف الأسماء كلها ويحفظ كل شيء.

وكنت أذهب معه في مشاوير ليس لها أي هدف وليس منها أية منفعة تذكر أو هذا ما كنت أستنتجه وأنا صغير في الصف الخامس ثم في السادس الابتدائي، الى أن عرفت من أمي أن هذه المشاوير هي الترياق الذي كان يرد روح عفيف الخوري ويبقيها بين جنبات صدره.

فلقد كنا نركب الباص من ساحة برج الروس في القصاع وينطلق بنا الباص الى ساحة السبع بحرات ثم الى بوابة الصالحية وننزل في موقف الفردوس، وهناك كان يوجد محل تصوير فوتوغرافي يشغله شقيقين عرفت فيما بعد أنهم الأخوين سيراداريان كان الأكبر منهما في عمر جدي عفيف واسمه زافين سيراداريان ووالده مدرس قدير يلقب بالخوجه وهو من غازي عنتاب وليس من ساسون، وزافين هذا يشبه جدي الى درجة مذهلة نفس الطول ونفس الملامح ونفس لون الشعر الرمادي ونفس الشاربين ونفس المشية، وكان جدي ينظر عبر زجاج الواجهة باتجاه السيد زافين سيراداريان، وكنت أعتقد أن جدي كان ينظر الى المعروضات من أجهزة التصوير وملحقاتها، وكنت صغيراً لا قدرة لي على الربط ولا أعرف أصل المشكلة ولا الهدف الذي يسعى إليه جدي من هذه الجولات التي يقصد فيها هذا المحل بالذات وهذا الرجل الذي يقف خلف هذه الواجهة بالذات، وكنت مع جدي أدور معه لنعود الى نفس الواجهة وينظر الى نفس الرجل، ونعود معاً أنا وجدي ويكون طعام الغذاء جاهزاً، فيطلب جدي قدح العرق ويبدأ بالشرب ثم يغني أغنية حزينة ، ويبكي ويبكي ويُبكي أهل بيته معه ويذهب لينام ويترك الطعام على المائدة، سألت عن الأغنية الحزينة التي كان يغنيها فعرفت أنها تتحدث عن شقيق أضاع شقيقيه بعد أن فقد أباه وأمه فأمسى وحيداً في هذه الأرض.

قالت لي أمي كان جدك يعتقد بأن الأخوين سيراداريان هم اخوته الذين رآهما لآخر مرة عندما أجلسته أمه على عتبة دار حنا القس في ماردين، قلت لها: لله درك يا أمي هل كان من الصعب عليه أن يدخل المحل ويتحدث مع الرجلين، فقالت لي: لا يا حبيبي لم يكن ذلك صعباً إلاَّ من ناحية واحدة... لقد كان جدك متعلق بهذا الأمل وكان يخشى أن يضيع منه هذا الأمل إن هو اكتشف أنه بنى وهماً أشاده بنفسه، فلقد أحب أن يخترع قصة وأن يعيش في ظلها، فكان يراقبها ويراقب أشخاصها من بعيد ولا يهتم بها إلاَّ من حيث كونها قصة تنسجم مع مخيلته ومع أحلامه وأمانيه.

فكان استمرار هذا الحلم بالنسبة له أهم بكثير من معرفة الحقيقة التي قد تكون شديدة القسوة عليه ولا تناسب هواه.

في العام 1967 كان يعمل كمتعهد في بناء برج من أبراج معمل الزجاج والصناعات الخزفية في منطقة القدم القريبة من دمشق، وهو معمل حكومي، عندما أحاطت بالمعمل بضع طائرات إسرائيلية هدمت المعمل على رؤوس من كانوا فيه وعمل عفيف على نقل الجرحى الى السيارات العابرة وعاد الى منزله وملابسه تعتصر دماً، وأغمي على مارين حين رأته عائداً الى بيته وهو على هذه الحال، فقال لها: لا تخشي شيئاً يا مارين لأن (عمر الشقي بقي)، وهذه تقود الى أن الشقي المتعب حياته طويلة، فلقد نقل أشلاء أصدقاءه ولم يصب هو بخدش واحد وكتب له عمر جديد بالإضافة للأعمار الجديدة السابقة التي كتبت له في معرض حياته.

في 28 أيار 1968 ذهبت مع أبي الذي كان يقود سيارته مسرعاً من مكان الى مكان وأنا لا أعرف الى أين نذهب و ما هو الداعي لهذه العجلة، وكنت محشوراً في السيارة وبشكل قسري لمساعدة والدي في أشياء لا أعرفها... ذهبنا الى مطبعة في باب توما ونزل والدي وعاد مسرعاً، وذهبنا الى مطعم في المرجة لنوصي عل صرر الأوزي والصفيحة واللبن والكبة المبرومة، ثم الى مكان آخر لاستئجار كراسي خيزران تنقل الى دار جدي الكائنة في القصاع جنائن الورد جادة الضاحك الفهري، ومكان آخر لنطلب مقدمي القهوة المرة، ورجعنا الى كنيسة جدي وجاء معنا رجل دين، وبدأت بربط الأمور ببعضها ووصلت الى الحقيقة بنفسي دون أن أحصل على أي ردٍ من أبي مع أنني سألته ولم أنجح في جعله يتحدث إليَّ أو يهتم بي، حيث لم يخبرني أحد أن جدي قد أصيب بنوبة قلبية قاتلة لم تمهله لحظة بعد السبع وخمسون سنة وهي الفترة التي قضاها في دار الفناء، سبع وخمسون سنة وكلهم عجاف عجاف، وأن والدي صحبني معه في جولة قسرية لأنه لا يريد أن أرى جدي مسجّى حيث هو...

ومات الرجل وماتت أحلامه فلقد عاش حياته محاولاً حل اللغز الآتي:

(ماذا يحدث لو أن اسمك عفيف واسمك ليس عفيف، واسم والدك حنا واسم والدك ليس حنا ونسبتك القس ونسبتك ليست القس واسم والدتك بهية الناشف واسم والدتك ليس بهية الناشف، وخالك شمعون الراهب أو أنه لا خال لك على الإطلاق، وأنك سريان أرثوذكس وأنت لست سريان أرثوذكس، ماذا سيحدث لو أن هذا اللغز في جانبه الثاني حقيقة ساطعة كضوء الشمس ولا ريب فيها وأنت مرغم على تصديق الجانب الأول، ستتجاذبك تيارات من الأوهام والأماني والأحلام تفقدك الاتزان وتحولك إلى إنسان شقي لأنك ضحية لمخيلة عتاة المجرمين جماعة الاتحاد والترقي طلعت باشا وأنور باشا وجمال باشا السفاح وصمة العار على جبين الإنسانية).

 
  facebook  
 

صحيفة "آزك" اليومية #49, 22-03-2011


© AZG Daily & MV, 2009, 2011, 2012 ver. 1.3
ARMINCO Global Telecommunications Геноцид армян Analitika.at.ua