YANIZARIS الجيش الإنكشاري د.كارين صادر (باحثة في التراث العربي من لبنان) جيش منظم استمر مدة خمسة قرون، و حظي بشهرة تاريخية فاقت شهرة الدولة التي يقاتل تحت لوائها، و أذهل الأوروبيين حتى القرن الثاني عشر، وكان الدعامة الكبرى التي ارتكز عليها التوسع العثماني في أوروبا و آسيا و أفريقيا، وبه حققت الدولة العثمانية انتصاراتها العسكرية الحاسمة في المعارك التي خاضتها في معظم الجبهات . ثم انقلب بعد ثلاثة قرون إلى داء يكاد يقضي عليها، ومارد يسوس سلاطينها و لا يسوسونه فأبادوه. وبما أن تاريخه لا ينفصل عن تاريخ دولته فلا بد من تكون بداية حديثنا عنه هو تاريخ نشوء هذه الدولة تأسيس الدولة العثمانية: مؤسسها هو أرطغرل بن سليمان شاه التركماني قائد إحدى قبائل الأتراك النازحين من سهول آسيا الغربية إلى آسيا الصغرى و كان قد انتصر لعلاء الدين سلطان قونية فكافأه بإقطاعه بعض الأراضي وصار يعتمد عليه في حروبه. وبعد وفاته عام 1288 عين مكانه أكبر أولاده عثمان الذي خدم السلاجقة بإخلاص فمنحه السلطان لقب "بك" و معناه " الأمير "، و أقطعه الأراضي التي احتلها، و أجاز له ضرب العملة باسمه. ثم قيض له أن يرث إمارة السلاجقة بعد أن أغار التتار على آسيا الصغرى و قتلوا الملك السلجوقي، فاستولى عثمان على كل الأراضي المقطة له، و لقب نفسه "باديشاه آل عثمان" أي سلطان آل عثمان ، و جهز جيشا كبيرا حارب به التتتار و شتت شملهم. وبعد عام 1346 تولى الملك ابنه أورخان باني الجيش الإنكشاري. الحاجة إلى تأسيس جيش نظامي: اعتمدت الدولة العثمانية في بداية تكوينها على "اليايا" أي كتائب متفرقة من المحاربين المسلمين الأحرار الذين لا يربط بينهم سوى النظام الإقطاعي الذي يلم شملهم عند الحاجة إذ كانوا يعطون إقطاعيات من الأرض يستغلونها مقابل تلبية نداء القتال. وكانت بمجموعها تقدم للدولة حوالي مئة و ثلاثين ألف فارس من جميع اراضي السلطنة. ولما أخذت هيئة التمدن العربية تجدث تأثيرا في عوائدهم، وكانوا في أول أمرهمةرجالا مقاتلين يتخذون القتال واسطة لكسب اسباب المعيشة منتقلين بجميع ما لهم من المال و النساء و الاولاد عند خروجهم للغارات و الغزو، أخذوا شيئا فشيئا يقتدون بالسلاجقة الذين كانوا بينهم إلى أن وصل بهم المدن و القرى عند خروجهم للقتال. وهذا ما كان يدفعهم بعد مقاتلة أيام قليلة دون شلب أو فوز إلى العودة إلى مساكنهم حيث الراحة، عدا عن تمردهم و اتحادهم على مقاومة الملك أحيانا كثيرة. فكان السلكان أورخان (1335-1359 م) كثيرا ما يرى نفسه غير قادر على إدخالهم في حيز الطاعة. تأسيس الجيش الإنكشاري: إن جيشا غير نظامي يلتحق بالخدمة عند الحاجة وسرعان ما ينفرط عقده فلا يعود السلطان قادرا على لمه لم يعد يلبي حاجة دولة حربية لها مطامع توسعية مثل الدولة العثمانية. وراح السلطان أورخان يبحث عن بديل يكون منضبطا وخاضعا له و يأتمر به، فاقترح عليه رجل يدعى قرا خليل "نظام" الدفشرمة" ومعناه "ضريبة اللحم" أي يقيم السلطان عسكرا جديدا من اولاد الأسرى من المسيحيين، و ذلك بفصل الأولاد وهم ضغار عن والديهم، و عن كل ما يمكن أن يتعلق قلبهم به قائلا: "إنهم بهذا لن يبقى لهم إلا غاية واحدة يعيشون لأجلها وهي أن يقاتلوا قتالا حسنا في خدمة ملكهم الذي هو أب لهم بالتربية وولي نعمتهم فلا يكون لهم عمل غير الجهاد في سبيل الله و العرش العثماني. أعجب هذا الراي السلطان أورخان فأمر حالا بالعمل بموجبه. وعاش إلى أن رأى جيشا من هذا العسكر الجديد مؤلفا من ألف من الرجال المنتخبين المتعلمين أصول الحرب. وكان بالقرب من "أماسية" من آسيا الصغرى رجل مسن مشهور بالصلاح و الفضل و التقوى يسمى "حجي بكطاش" وهو شيخ الطرق البكطاشية المشهورة . فأخذ السلطان أورخان ذلك الجيش الجديد إليه ’نذاك استعدادا لبركته و دعائه، ولكي يعطيهم اسما علما. فوضع هذا الشيخ كم جبته على راس أحدهم مدلاة حتى ظهره وقال: "سيدعون ينيشريه" فيكون وجههم بهيا وساعدهم قويا، وسيوفهم ماضية، النصر يلازمهم في الحروب، وراية الظفر معقودة لهم دائما". وتطور اسمهم بعد ذلك إلى "بيكجارية" وصحفه العرب "إنكشارية" جمع "إنكشاري" أي الجيش الجديد. وقد مُدح السلطان بأقوى العبارت على حكمته في اتخاذه هذه الطريقة وردت انتصارات الإنكشارية فيما بعد إلى ذلك العمل الخيري الذي به أكثر من ثلاثمائة ألف من باب الجحيم إلى باب النعيم. و أما أوروبا فلم تعرف فرق المشاة النظامية إلا في القرن الخامس عشر للميلاد. كيفية جمع عناصره: كان هذا الجيش مؤلفا من أسرى الحروب مع بيزنطة و أوروبا الشرقية، ثم لجأ الشلطان إلى جمع الصبية و الفتيان غير المتزوجين من رعاياهم النصارى في شبه جزيرة البلقان و أسيا الصغرى و تربيتهم التربية الكطلوبة وذلك مقابل ضريبة الجزية. وكانت عملية الجمع هذه تجري كل خمس سنوات أو أربع أو ثلاث و أحيانا كل سنة، و كان يرسل المجموعين إلى اسطنبول حيث كان يتم تصفيتهم. ولما كثرت الفتوحات و كثر عدد الأسرى حتى كان الأسير يباع بطاس من البوزا، قال بعض العلماء أن الشريعة الآمرة بإعطاء خمس الغنيمة للسلطان تتناول الأشخاص أيضا. وبهذه يرتفع ثمن الأسرى ويزداد عدد الإنكشارية بسرعة. وكان خمس السلطان يؤخذ من أحسن أولاد الأسرى من سن سبع سنين على سن أربع عشرة سنة . وكانوا يقسمون أولئك الأولاد إلى: غلمان لخدمة القصور. موظفي الإرادات العامة. الإنكشارية:و هم القوة الضاربة. و كانوا يعلمونهم القراءة و الكتابة و المصحف بكل اعتناء، ويصرفون سبعا أو ثمانيا من السنين في تعلم الديانة و التمرن على استعمال السلاح و الأعمال الشاقة بحيث يصيرون قادرين على احتمال أشد المصاعب. و كانوا إذا بلغوا أشدهم على هذا امنوال وصاروا شديدي التعصب لطريقتهم و ديانتهم وشلطانهم ينظمون في تلك العسكرية. على أن البعض منهم ممن كان أحسنهم منظرا كانوا يتخذون حرسا و أعوانا للملك. يتبع... |